محمد هادي معرفة
56
التمهيد في علوم القرآن
لم تقع البتة ، وأنّ ذلك تمنّ . فإن قيل : إنّ ما ذكر تموه يبنى على أنّ العرب كانوا حريصين على ابطال أمره وتوهين شأنه ، وكان لم يمكنهم إلّا بالمعارضة ، ونحن لا نسلّم ذلك . قيل له : إنّ ذلك معلوم بالاضطرار ، فمعلوم أنّ النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) ادعى منزلة رفيعة عليهم ، وهم كانوا في غاية الأنفة والحميّة والإباء ، فكيف لم يحرصوا والحال هذه على ابطال أمره ورفع حجّته أن لو قدروا ! فإن قيل : لعلّ القوم لم يعلموا طريقة المعارضة والحجاج ، ولو علموا ذلك ، فلعلّهم لم يعلموا أنّ أمره يبطل بالمعارضة ! قيل له : أمّا الأوّل فلا يصحّ ، لأنّ المعارضة كانت عادتهم ، ولهذا لم يأت شاعر بقصيدة فيما بينهم إلّا وشاعر آخر يعارضه أو رام معارضته ، وهذا معلوم من حال شعرائهم ، نحو امرئ القيس وعلقمة واشباههما . وأمّا الثاني : فباطل أيضا ، لأنّ كل أحد يعلم أنّ خصمه إذا أتاه بأمر ، وادعى لمكانه منزلة عظيمة عليه ، وتحدّاه بمعارضته ، فإنّه متى عارضه فقد أبطل دعواه ، وهذا ممّا لا يخفى على الصبيان في مباراتهم بأمثال الطفرة واشالة الحجر ونحوهما ، فكيف على دهاة العرب ! فإن قيل : إنّهم أرادوا استئصاله بالمقاتلة . قلنا : لولا عجزهم عن المعارضة لما أرادوا استئصاله ، لأنّهم لو قدروا على المعارضة كانت أسهل عليهم في استئصاله وإسقاطه من مكانه في العرب المكان الذي كان . ولا يليق بالعاقل العدول عن الأمر السهل إلى الأمر الصعب ، وقد كانت المعارضة التي كانت عندهم - بزعمهم - بمنزلة الأكل والشرب والقيام والقعود . فإن قيل : لعلّهم إنّما قاموا بالمقاتلة دون المعارضة ، لإبطال دعواه وحسم مادّته ، إذ ربّما لا تنقطع مادّته بالمعارضة ، وأنّ الخلاف يبقى ، ويكون الناس بين رجلين : رجل له ورجل عليه ، فتطول المنازعة ولا تنقطع .